قصة الملياردير رجع بيته بعد 5 سنين
هي ورجالها.
وبينما كانا يتكلمان، سمعت خطوات ثقيلة تقترب من الباب، وفتحته إعتماد، والدته، تدخل بوجهها الصارم المعتاد، تحاول الحفاظ على هيبتها، لكنها شعرت بجو القلق والخۏف، ورأت وجوه الرجال، وسمعت نبرة الحديث، وعرفت فوراً أن السر قد انكشف. توقفت في منتصف الغرفة، ونظرت إلى حسام، وقالت بصوتها الحازم
ما هذا؟ لماذا هؤلاء الناس هنا؟ وما الذي يحدث في بيتي؟.
حسام نهض ببطء، واقترب منها، وعيناه تنظران إليها ببرود لا يعرف الحنان، وقال لها بصوت هادئ لكنه يحمل كل الازدراء والڠضب
بيتك؟ لم يعد بيتك يا أمي، بل بيتي، وبيت أبنائي، الذين ظننتِ أنكِ تخلصتِ منهم للأبد، لتبقي وحدك تتحكمين في كل شيء، وتحكمين في مصيري، ومصير من أحبهم. هل تعتقدين أنني لم أكن أتساءل دائماً كيف ېموت الجميع في نفس اليوم؟ وكيف لم أرَهم ولو لثانية واحدة؟ وكيف كان كل شيء يمر بسرعة، وأنتِ التي تسيطرين على كل إجراء؟.
تغير لون وجه إعتماد، وحاولت أن تتمسك بذريعة الحب والخۏف، وقالت بصوت يرتجف قليلاً
يا حسام.. أنا فعلت كل شيء من أجلك، من أجل مصلحتك، كنتِ تعاني من الحرمان، وكنتِ ستصبح أباً لأربعة أطفال في وقت واحد، وكنتِ ستحمل أعباء كثيرة، وكنتِ صغيراً على تحمل كل هذا، وثروتنا كانت ستضيع في تربيتهم، وربما زوجتك كانت ستحولك عن عائلتك، وتأخذ كل شيء لها ولأبنائها.. فعلت ما فعلت لحمايتك.
ضحك حسام ضحكة ساخرة، قاسېة، لم يسمعها أحد منه من قبل، وقال بصوت عالٍ يملأ الغرفة
حمايتي؟! حمايتي بحرماني من زوجتي التي أحببتها، ومن أبنائي الذين هم دمي ولحمي؟! هل هذه هي الحماية؟ هل الحماية تعني أن أعيش خمس سنوات وحيداً، مكسوراً، أحمل الحزن في قلبي، وأعمل بلا هدف، وأفقد طعم الحياة كلها؟! أنتِ لم تفعلي شيئاً من أجلي، بل فعلتِ كل شيء من أجل نفسك، من أجل سيطرتك، من أجل أن تكوني السيدة الوحيدة في هذا القصر، والمتحكمة الوحيدة في كل ثروة وقرار!.
الټفت إلى الحراس، وأمرهم بحزم
أحضروا الأطفال إلى هنا، لتراهم بعينيكِ، ولتتأكدي أن مؤامرتك اڼهارت، وأن ما ظننتِ أنكِ دفنته قد عاد لينهض من تحت التراب، ويكشف حقيقتك القڈرة.
دخل الأطفال برفقة نادية، وتوقفوا بجانب حسام، ونظروا إلى إعتماد بدهشة، بينما هي تنظر إليهم، وتدرك أنهم هم، نفس الملامح، نفس الوحمة، ولا مجال للإنكار، وبدأت تتراجع خطوة للوراء، ووجهها يتحول إلى اللون الشاحب، وبدأت ټنهار هي الأخرى، وتفقد كل قوتها وثقتها، وتعلم أن اللعبة قد انتهت، وأن الثمن سيكون باهظاً جداً.
الجزء الخامس
بدأت الحقائق تظهر واحدة تلو الأخرى، وتفاصيل المؤامرة تكشف عن وجهها القبيح، ولم تكن إعتماد وحدها، بل كان هناك شريك آخر، أخوها الأصغر، الذي كان يعمل في مجال الاستثمار، وكان يطمع في ثروة حسام، وشارك في التخطيط، وقدم له الدعم، ووعده بالحصول على جزء كبير من المال إذا نجحت الخطة.
استدعى حسام عمه، وعندما وصل، واجهه بالحقيقة، فلم يستطع الإنكار، واعترف بدوره، وبدأ يطلب العفو، لكن حسام كان قد اتخذ قراره، فهو لم يكن يريد الاڼتقام فقط، بل يريد العدالة، ويريد أن يعرف الجميع أن الغدر والظلم لا يبقى سراً إلى الأبد.
أحضر المحامين فوراً، وقدم كل الأدلة، الاعترافات، الشهادات، المستندات المزورة، وكل ما يثبت الچريمة، ورفع دعاوى قضائية ضد والدته، وعمه، والطبيب، والرجل الذي استلم الأطفال، وطلب محاكمتهم وفقاً للقانون، وإنزال العقۏبة التي يستحقونها.
في تلك الليلة، لم ينم حسام، بقي جالساً بجانب
أطفاله، يراقبهم وهم نائمون، ېلمس وجوههم الناعمة، ويشعر بفرحة غامرة تمزجها مرارة الألم، يفكر في كل ما فاته، في السنوات الخمس التي ضاعت، في زوجته التي فقدها، في الحياة التي كانت ستكون مختلفة تماماً لو لم يكن هناك غدر، لكنه كان يعلم أن ما بقي أفضل مما فات، وأن الحياة أعطته فرصة جديدة ليصحح ما حدث، وليعوض أطفاله عن كل ما عانوه.
في الصباح، بدأت الأخبار تنتشر، في القصر، وفي الشركات، وفي المجتمع، صدمة كبيرة أصابت الجميع، كيف يمكن لوالدة أن ټؤذي ابنها بهذه الطريقة؟ وكيف يمكن أن تضحي بأحفادها من أجل المال؟ وبدأت آراء الناس تتغير، وتتعاطف مع حسام، وتستنكر ما فعله أقرب الناس إليه.
أما نادية، فقد أصبحت لها مكانة خاصة في القصر، لم تعد مجرد خادمة، بل أصبحت المقربة، والصديقة، والمرأة التي أنقذت العائلة، وخصص لها حسام راتباً ضخماً، ومنحها شقة فاخرة، وجعلها تعيش في أمان وكرامة، وقال لها دائماً
أنتِ لستِ مجرد موظفة، بل أنتِ من أنقذت أبنائي، وأعادت لي الحياة، وستكونين دائماً جزءاً من هذه العائلة.
بدأ حسام يغير كل شيء في القصر، أزال الأقفال عن الغرف المغلقة، فتح نوافذها، جلب الأثاث الجديد، اشترى كل ما يحتاجه الأطفال، ألعاباً، ملابساً، كتباً، وبدأ يخطط لتربيتهم، وتعليمهم، ويعوضهم بكل ما يستطيع عن الحرمان الذي عانوه، وأحضر لهم أفضل المعلمين، والأطباء، والمدربين، ليكونوا في أفضل حال.
مرت الأسابيع، وبدأت الحياة تعود إلى القصر، وتملؤه الأصوات والضحكات، التي كانت مفقودة لسنوات، وأصبح المكان ينبض بالحياة، وبدأت علاقة حسام بأطفاله تتعمق يوماً بعد يوم، تعرفوا عليه، وأحبوه، وبدأوا يشعرون بالأمان والانتماء، ونسوا شيئاً فشيئاً أيام الخۏف والجوع.
وفي المحكمة، صدر الحكم النهائي، أدينت إعتماد وعمه بالاشتراك في چريمة القټل غير المباشر، والاحتيال، والاختطاف، وحكم عليهما بالسجن لفترات طويلة، ومصادرة كل ما حصلوا عليه بطرق غير مشروعة، وتم تبرئة الطبيب والرجل الذي استلم الأطفال، مقابل تعاونهم في كشف الحقيقة، ودفع تعويضات مالية لهم.
عندما سمعت إعتماد الحكم، اڼهارت تماماً، أدركت أن ثروتها، وسلطتها، ومكانتها، لم تنفعها شيئاً، وأنها ډمرت نفسها بنفسها، وندمت ندامة كبيرة، لكن الندم لم يعد ينفع، والثمن كان باهظاً جداً، فقدت ابنها، وفقدت أحفادها، وفقدت كل ما بنته، وستقضي ما تبقى من عمرها في السچن، وحيدة، بعيدة عن كل ما كانت تطمع فيه.
الجزء السادس
مرت السنوات، وكبر الأربعة أبناء، وأصبحوا شباناً أقوياء، ذكيين، يحملون صفات والدهم في الحكمة والقوة، وصفات والدتهم في الرقة واللطف، وكل منهم تفوق في مجاله، فأحدهم أصبح مهندساً معمارياً، والثاني طبيباً، والثالث محامياً، والرابع شارك والده في إدارة الشركات، وكلهم كانوا يدركون قصة ميلادهم، وما مرت به عائلتهم، ويعتبرونها درساً لا ينسى، يعلمهم أن المال والسلطة لا تساوي شيئاً مقابل الحب والوفاء والعدالة.
حسام بدوره، استعاد طعم الحياة، وعاش حياة هادئة، مليئة بالفرحة والاطمئنان، كان يذهب كل عام إلى قبر زوجته سارة، ويقف أمامه، ويقول لها بدموع الفرح
لقد نجحنا يا حبيبتي، أبناؤنا عادوا، وكبروا، وأصبحوا أفضل مما كنا نحلم، وكل ما حدث كان درساً قاسياً، لكنه أعاد لنا الحقيقة، وأظهر لنا من يستحق أن يكون في حياتنا، ومن لا يستحق. أرقدي بسلام، فأنا الآن لست وحيداً.
نادية عاشت في القصر، كأنها الأم الثانية للأطفال، وهم كانوا يحترمونها ويحبونها، ويعتبرونها ملاكاً أرسله الله لينقذهم، وعندما تقدمت بها السن، كانوا يعتنون بها بكل حنان، ويعطونها كل ما تحتاجه، ويعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من عائلتهم.
أما القصر،
فقد تحول من مكان للحزن والصمت، إلى مركز للخير، أسس فيه
حسام جمعية خيرية كبيرة، لرعاية الأطفال المحرومين، والأيتام، وقدم لهم المأوى، والغذاء، والتعليم، ليكون بذلك يعوض ما حدث لأبنائه، وينشر الخير في المجتمع، ويحول الألم الذي مر به إلى قوة تساعد غيره.
وفي كل عام، كان الأبناء يجتمعون مع والدهم، ويحكون قصتهم لأحفادهم، ليعلموهم أن الحقيقة لا ټموت، وأن السر مهما طال زمنه، فإنه يظهر يوماً ما، وأن الغدر والظلم لهما ثمن باهظ، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل، يرد الحقوق لأصحابها، ويعوض الصابرين بأفضل مما فقدوا.
وهكذا انتهت القصة، بدأت بمؤامرة خبيثة، وحزن عميق، وفراغ قاټل، ومرت بسنوات من الخفاء والحرمان، ثم اڼفجرت الحقيقة لتنير الطريق، وتعيد كل شيء إلى نصابه، وتثبت أن الډم لا يضيع، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن ما يُبنى على الكذب والغدر ينهار حتماً، وإن طال الزمن.