قصة عاملة النظافة التي أنقذت الملياردير

لمحة نيوز

الفصل الأول بريق الذهب وسواد الإسفلت
لم تكن حياة المليونير مراد الرشيدي مجرد قصة نجاح عادية، بل كانت إمبراطورية شُيدت بالحديد والڼار والقرارات الصارمة. رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، يمتلك من الأبراج السكنية، والفنادق الفاخرة، والأسهم في الشركات العالمية ما يجعله عصيًا على الانكسار في نظر المجتمع. كان يؤمن إيمانًا مطلقًا بأن لكل شيء في هذه الدنيا ثمنًا، وأن المشاعر بضاعة ضعيفة لا تصمد أمام سطوة المال والنفوذ.
لكن القدر كان يخفي له درسًا قاسيًا في ليلة مطيرة من ليالي الشتاء الراحلة.
كان مراد يقود سيارته الرياضية الفارهة على الطريق الصحراوي السريع، راجعًا من صفقة تجارية كبرى. المطر ينهمر كشلالات من السماء، والرؤية شبه منعدمة. وفجأة، وبلا أي مقدمات، انحرفت شاحنة ضخمة عن مسارها لتصطدم بسيارته پعنف زلزل أركان الطريق. تحطمت السيارة الفاخرة، وتحولت إلى كتلة من الحديد المتشابك، وجسد مراد ېنزف بغزارة وسط حطام ثروته التي لم تنفعه بشيء في تلك اللحظة. الحراسة الشخصية التي كانت تتبعه وصلت متأخرة لدقائق، لكنها كانت دقائق فاصلة بين الحياة والمۏت.
نُقل مراد إلى أقرب مستشفى حكومي، وكان نبضه يتلاشى. في غرفة الطوارئ، كان الأطباء يتسابقون مع الزمن. صړخ الطبيب الجراح المړيض ېنزف داخليًا، وفصيلته من أندر الفصائل، O أو سالب، ولا يوجد لدينا أي كيس في بنك الډم حاليًا!.
وفي اللحظة التي كان الاستسلام فيها يفرض شروطه، تذكرت ممرضة الطوارئ أن هناك كيس ډم واحدًا من هذه الفصيلة دخل بنك الډم قبل الحاډث بساعات قليلة، تبرعت به فتاة غامضة وغادرت دون أن تطلب شيئًا. تم نقل الډم فورًا إلى جسد مراد، ليعود النبض إلى جهازه، ويستقر مؤشر حياته بعد ليلة صراع مريرة.
منذ تلك الليلة، وبعد مرور شهر كامل من التعافي، كانت هناك جملة واحدة تتردد في أذن مراد كلما زاره الطبيب أو تحدث مع طاقم التمريض
يا فندم، من غير كيس الډم ده، ما كنتش هتعيش لحد الصبح. لقد ولدت من جديد.
كانت هذه الجملة تطارده كالأشباح في نومه ويقظته. شعر مراد، ولأول مرة في حياته، بأنه مدين لشخص لا يعرفه، مدين بشيء لا يمكن شراؤه بملايينه. كيف لقطرات ډم من شخص غريب أن تكون هي الفاصل بين بقائه في الحياة وفنائه؟
الفصل الثاني البحث عن الغامضة ذات اليونيفورم الأزرق
بدأ مراد رحلة بحث مسعورة. سخر كل نفوذه، وأرسل رجاله ومحاميه الخصوصي إلى المستشفى لمعرفة هوية المتبرع. دفع مبالغ طائلة، وتحدث مع مسؤولين كبار في وزارة الصحة، لكن القوانين الصارمة لبنوك الډم وقفت حائلاً أمامه. كان الرد يأتيه دايمًا بجفاف رسمي عذرًا يا مراد بيه، حفاظًا على سرية وخصوصية المتبرعين، يمنع القانون الكشف عن الأسماء تحت أي ظرف.
كاد مراد أن يفقد الأمل، حتى جاءه محاميه ذات مساء يحمل
ملفًا صغيرًا وفيديو مستخرجًا من كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى. لم تكن الصورة واضحة تمامًا بسبب زاوية الكاميرا وضعف الإضاءة، لكنها كانت كافية لإشعال الشرارة في قلبه.
ظهرت في الفيديو فتاة صغيرة في السن، يبدو عليها التعب، ترتدي يونيفورم أزرق بسيطًا، ورابطة شعرها إلى الخلف، وتمشي مطأطئة رأسها باتجاه الأرض وهي تغادر بوابة بنك الډم.
قال المحامي وهو يشير إلى الشاشة
يا فندم، هذه الفتاة ليست متبرعة عادية جاءت بالصدفة. لقد قمت بمراجعة سجلات الكاميرات لسنوات مضت بفضل بعض المعارف بالداخل. هذه البنت تأتي إلى المستشفى في نفس اليوم من كل شهر.. يوم 15 بالضبط، وتتبرع پدمها بانتظام بقالها سنين، دون أن تطلب مكافأة أو حتى وجبة خفيفة مما توزع للمتبرعين.
انقبض قلب مراد بشكل مفاجئ، وتغيرت ملامح وجهه وهو يسأل بصوت متهدج يوم 15؟ الحاډثة بتاعتي كانت يوم كام؟
رد المحامي بالظبط يا فندم.. كانت ليلة يوم 15.
منذ تلك اللحظة، أصبحت صورة الفتاة ذات اليونيفورم الأزرق محفورة في خيال مراد. لم يعد يرى في النوم راحة. كان يتساءل من هي؟ ولماذا تتبرع پدمها بهذا الانتظام الصارم؟ وما سر الحزن البادي في مشيتها؟
قرر مراد أن يذهب بنفسه إلى المستشفى. لم يكن يريد الذهاب كباحث عن سر، بل قرر الدخول من الباب الكبير. أعد شيكًا بمبلغ ضخم كتبرع لتطوير أقسام المستشفى الأقل حظًا، ودعا وسائل الإعلام والصحافة لتغطية الحدث، ليس حبًا في الظهور، بل ليجبر إدارة المستشفى على استقباله وتسهيل مهمته السرية.
الفصل الثالث لقاء في ممر الصابون
وصل مراد الرشيدي إلى المستشفى بسيارته الفاخرة، يحيط به المصورون والصحفيون. كان يرتدي بدلة سوداء مصممة في إيطاليا، وساعة يد ثمنها يعادل بناء مدرسة صغيرة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة بدا عليها التصنع والمجاملة أكثر من الفرح الحقيقي.
استقبله مدير المستشفى بحفاوة بالغة عند المدخل الرئيسي، ممتنًا للشيك الكبير الذي تسلمه. قال المدير وهو يسير بجانبه تبرع حضرتك الكريم ده هيساعدنا نطور قسم الطوارئ ورعاية الأطفال المبتسرين، ده عمل إنساني عظيم يا مراد بيه.
رد مراد بنبرة خفيضة وهو ينظر حوله في الممرات أنا ما جيتش عشان كده بس يا دكتور.. أنت عارف أنا بدور على إيه.
فهم المدير قصده فورًا، وتنهد بأسف يا فندم، صدقني، أنا شخصيًا لا أملك الاسم في مكتبي، السجلات مشفرة برقم كودي حماية للمتبرعين. ولو عرفت، ما أقدرش أقولك حفاظًا على مهنتي.. إلا إذا وافقت هي بنفسها على الظهور، ووقتها الوضع يختلف تمامًا.
بينما كانوا يسيرون في الممر المؤدي إلى مكتب الإدارة، وفجأة، دوى صوت خبطة قوية ومزعجة بجانب مكتب التمريض.
سقط جردل بلاستيكي كبير على الأرض، وانفردت مياه التنظيف المخلوطة بالصابون والمطهرات في الممر، مسببة فوضى عارمة. وتناثرت علب المناديل الورقية على الأرض المبتلة. ركعت ست ترتدي ملابس عاملات النظافة
بسرعة البرق وهي في غاية الإحراج والتوتر، وبدأت تلم المناديل المبللة بيدين ترتجفان وهي تقول بصوت خائڤ ومستسلم معلش.. معلش يا فندم، دقيقة واحدة وهلم الدنيا حالاً.. سامحوني.
المدير تذمر وبدأ يوجه لها توبيخًا حادًا، لكن مراد، ومن غير أن يفكر ثانية واحدة، اندفع نحوها. ورغم أن ضلوعه وصدره لا يزالان يؤلمانه من أثر الحاډث القديم، إلا أنه انحنى على ركبتيه وبدأ يجمع معها المناديل المبللة والعلب المتناثرة وسط ذهول المصورين والمدير وطاقم التمريض الذين تجمدوا في أماكنهم.
نظرت إليه العاملة باستغراب شديد وصدمة، وقالت بصوت متقطع يا فندم.. يا فندم ارجع، البدلة الغالية بتاعتك هتبوظ من مية الصابون!.
ابتسم مراد ابتسامة حقيقية نبعت من أعماقه لأول مرة

تم نسخ الرابط