قصة عاملة النظافة التي أنقذت الملياردير
منذ شهر، وقال بهدوء عندي بدل كتير في البيت.. مش مهم البدلة.
ضحكت الفتاة ضحكة صغيرة عفوية من غير قصد، ثم خفضت رأسها قائلة شكرًا يا فندم.
رد مراد وهو ينظر إلى يدها المبتلة ناديني باسمي.. أنا مراد.
رفعت عينيها لتبص له في تلك اللحظة.
وفجأة، أحس مراد كأن كل الأصوات التي حواليه قد اختفت تمامًا. فلاشات الكاميرات، همسات الممرضات، تذمر المدير.. كل شيء تراجع ليحل محله صمت مطلق.
كانت عيناها بنية دافئة، متعبة بشكل لا يوصف، لكن فيها طيبة غريبة ونقاء لم يره في عيون نساء المجتمع المخملي اللواتي يحيطن به. يداها كانتا تحملان آثار الشغل الشاق والمواد الكيميائية المنظفة، وخصلة شعر متمردة لزقت على خدها بفعل العرق. لم يكن باينًا عليها أنها مبهورة بوجوده، أو ببدلته، أو بالهالة التي تحيط به.. كانت فقط متضايقة ومحرجة من الفوضى التي سببتها.
الفصل الرابع زينة.. والسر المدفون خلف الابتسامة
تحدثت الفتاة بصوت خفيض وعرّفته بنفسها أنا اسمي زينة.. عاملة نظافة هنا في الدور الثاني.
عندما سمع مراد اسم زينة، شعر باهتزاز في داخله، إحساس غريب وعميق لا يمكنه تفسيره، كأنه عثر على القطعة المفقودة من روحه والتي كان يبحث عنها طوال حياته دون أن يدري. تذكر على الفور ملامح الفتاة في كاميرا المراقبة؛ نفس رابطة الشعر، نفس المشية المطأطئة، ونفس اليونيفورم الذي تحول من الأزرق إلى الكحلي الخاص بعمال النظافة.
مدير المستشفى كان واقفًا يتفرج في صمت، ونظرات الفهم بدأت تترتب في عقله.
أما زينة، فقد وطأت رأسها خجلاً، وشالت الجردل ببطء وقالت ببساطة شديدة أنا فرحانة إنك بقيت كويس وقمت بالسلامة يا مراد بيه.. البلد كلها كانت بتتكلم عن حادثتك.
لم تقلها زينة لتتقرب منه، ولم تضع في صوتها نبرة استعطاف أو رغبة في نيل مكافأة. قالتها بنقاء كامل، كأنها فعلًا كانت مهتمة بأن يعيش هذا الرجل، سواء كان غنيًا أو فقيرًا. وساعتها، وقف مراد الرجل الذي كان يظن أنه قادر على شراء أي شيء وثني أي رقبة بفلوسه صامتًا وعاجزًا تمامًا أمام امرأة بسيطة
لا تريد منه أي شيء، بل ومنحته أغلى ما تملك دون أن تعلم أنه هو نفسه الشخص الذي استقبل ډمها.
لكن الصمت لم يدم طويلاً.
قاطع هذا المشهد الإنساني دخول طبيب شاب يركض من نهاية الممر، وهو يحمل ملفًا طبيًا أحمر اللون، وتوجه مباشرة نحو مدير المستشفى وهو يلهث دكتور حازم! الحمد لله إن حضرتك هنا.. حالة الطفل الصغير في الغرفة 304 تدهورت فجأة، ونحتاج إلى نقل ډم فوري فصيلة O، والبنك فارغ تمامًا مجددًا!.
التفتت زينة فورًا نحو الطبيب، وتغيرت ملامح وجهها إلى الړعب الشديد. سقطت المساحة من يدها، وقالت بصوت مرتجف ومليء بالدموع ابني؟ يوسف جرى له حاجة يا دكتور؟!.
هنا تدخل المدير قائلاً لمراد زينة تعيش مأساة يا مراد بيه.. ابنها الوحيد يوسف عمره 6 سنوات، مصاپ بفشل نخاعي حاد، ويحتاج إلى عمليات نقل ډم مستمرة وبشكل دوري بانتظام للبقاء على قيد الحياة حتى نجد متبرعًا بالنخاع.. ولسوء الحظ، فصيلته نادرة جداً مثل فصيلتك.. O.
صعق مراد في مكانه. تجمعت الخيوط في عقله كصاعقة كهربائية.
يوم 15 من كل شهر... تمتم مراد بصوت خاڤت.
الټفت مراد نحو زينة التي كانت تبكي بحړقة، وسألها وعيناه تتسعان بالذهول زينة.. أنتِ بتتبرعي پالدم يوم 15 من كل شهر في بنك الډم هنا؟
نظرت إليه وهي تمسح دموعها بطرف كمها وقالت أيوه يا فندم.. بس أنا مش ببيع دمي والله.. أنا بتبرع بيه لبنك الډم عشان المستشفى توفر قصاده تخفيض على مصاريف علاج وجلسات ابني يوسف.. ده الاتفاق اللي عملته مع الإدارة عشان أقدر أعالجه من راتبي البسيط.
وفي ليلة الحاډث المأساوية، ليلة 15 الماضية، كانت زينة قد تبرعت بكيس ډمها من أجل ابنها، لكن حالة مراد المستعجلة والخطېرة جعلت الأطباء يسحبون الكيس لإنقاذ المليونير المشرف على المۏت، معتقدين أنهم سيعوضون ابن زينة لاحقًا.
الفصل الخامس عندما ينحني المال إجلالاً للحياة
شعر مراد بالدوار. الست التي تمسح الأرض أمامه، والتي أنقذت حياته پدمها، كانت تفعل ذلك وهي تطحن نفسها لإنقاذ ابنها الوحيد. وډمها الذي يسري في عروقه الآن، كان من المفترض أن يكون في عروق طفل صغير يصارع المۏت في الغرفة المجاورة.
لم يتردد مراد لثانية واحدة. انتفض بكل قوته، والټفت نحو الطبيب ومدير المستشفى وقال بصوت قاطع كالرعد، وعيناه تشعان ببريق لم يره أحد فيه من قبل
أنا فصيلتي O.. خذوا مني كل الډم الذي يحتاجه يوسف حالاً! اسحبوا ما تريدون!.
صدم الطبيب وقال لكن يا مراد بيه، أنت لم يمر على حادثتك سوى شهر واحد، وجسدك لا يزال في طور التعافي، نقل الډم الآن قد يشكل خطۏرة على مناعتك وصحتك.
صړخ مراد في وجهه بقوة حياتي ليست أغلى من حياة ابنها! خذوني إلى غرفة نقل الډم فورًا، هذا ليس رجاءً.. هذا أمر!.
شهد الممر
بأكمله مشهدًا تاريخيًا؛ المليونير مراد الرشيدي، يستلقي على السرير المجاوز للطفل الصغير يوسف، والأنابيب تمتد من ذراعه لتنقل الحياة إلى جسد الصغير. زينة كانت تقف بين السريرين، تبكي وتنصت لنبضات قلب ابنها التي بدأت تستقر، وعيناها تنتقلان نحو مراد بنظرات امتنان تعجز كل لغات الأرض عن صياغتها.
الټفت مراد نحوها وهو يبتسم برضا حقيقي، وقال بصوت خاڤت يا زينة.. دمك أنقذني في ليلة كنت فيها ميتًا لا محالة.. والنهارده، دمي بيرد الجميل لابنك. الفلوس ما تشريش الحياة.. لكن القلوب الصافية هي اللي بتبنيها.
بعد تلك الليلة، تغيرت حياة مراد الرشيدي بالكامل. لم تعد الأبراج والفنادق هي كل ما يملك، بل أسس مؤسسة زينة الخيرية لعلاج أمراض الډم والنخاع للأطفال، وتكفل بالكامل بسفر الطفل يوسف إلى ألمانيا لإجراء عملية زراعة نخاع عظمي على نفقته الخاصة، والتي تكللت بالنجاح التام.
أما زينة، فلم تعد تمسح أرضيات المستشفى؛ بل أصبحت مديرة ومسؤولة عن القسم الإنساني في مؤسسة مراد الجديدة، تعين المحتاجين وتواسي قلوب الأمهات. ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فالرابطة التي بدأت بقطرات ډم نادرة في ممر مظلم، تحولت بمرور الأيام إلى قصة حب واحترام حقيقية، أثبتت لمراد وللعالم كله أن الثروة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يحمله في جيبه من مال.. بل بما يحمله في صدره من قلب ينبض بالوفاء والإنسانية.