قصة متجوزة بقالي سنة

لمحة نيوز


حلال عليكي، بس وحياة أمي لوريكي، والمحاكم بيننا، وقائمة المنقولات دي مش هتشوفي منها مسمار واحد!
ضحكت مروة وقالت
القائمة في الحفظ والصون عند المحامي من الصبح يا هيما.. يعني حتى هدومك اللي في الشنطة دي أنا سايباها لك كرم مني. يلا.. مع السلامة.
جر إبراهيم حقيبته الثقيلة، وخطا نحو الباب بخطوات منكسرة، وخرج إلى السلم. وما إن تجاوز عتبة الشقة، حتى رمت مروة خلفه الحقيبة الأخرى التي كانت تحتوي على أحذيته ومتعلقاته الشخصية، وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، ودارت المفتاح في القفل ثلاث دورات كاملة، ثم سحبت الترباس الحديدي.
في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنة، تنفست مروة بعمق. أحست أن جبلًا كان جاسمًا على صدرها قد انزاح. سارت نحو الصالون، وجلست على الأريكة، ونظرت إلى الفوضى وبقايا العزومة على السفرة، ولم تعد تشعر بالتعب في رجليها.
وفي الأسفل، في الشارع.. كان إبراهيم يخرج من باب العمارة يجر حقيبته، ليتفاجأ بأمه وبناتها الثلاث يقفن في حلقة، ووجوههن مخطوفة ومذهولة، والشارع كله ينظر إليهم بعد أن سمعوا صياح مروة من الشباك.
تقدمت الحماة نحو ابنها وقالت بزهول
جرى إيه يا إبراهيم؟ فين هدوم البت؟ وإيه الشنط اللي في إيدك دي؟!
نظر إبراهيم إلى الأرض وقال بصوت مخنوق
الشقة طلعت باسمها يا أمي.. وطردتني!
لم تكد الحماة تفتح فمها لتصرخ، حتى انفتح شباك الدور الثالث، وخرجت منه مروة، وبيدها مكنسة بدأت تنفضها في الهواء وهي تنظر إليهم في الأسفل، وقالت بصوت مسموع للشارع كله
يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. الشقة نظفت، والبيت رجع لأصحابه!
لم يكن هذا نهاية المطاف، بل كانت مجرد البداية لمعركة جديدة بدأت خيوطها تتحرك في عقل الحماة التي قررت الانتقام، وفي عقل إبراهيم الذي شعر بالخزي أمام أهله وجيرانه.. وبدأت المؤامرة تأخذ مجرى آخر تمامًا في المساء.
الجزء السادس طبول حرب الشوارع
ساد الصمت في الشارع لثوانٍ معدودة بعد كلمات مروة القاتلة التي ألقتها من الشباك، قبل أن تنفجر الحماة أم إبراهيم بصرخة مدوية شقت سكون المنطقة، وبدأت تلطم خديها وتصيح بعلو صوتها ليسمعها القاصي والداني
يا فضحيتنا في وسط الناس! يا ناس يا عالم.. شوفوا البت اللي لسه مكملتش سنة في بيتنا بتطرد ابن بطني برة شقته؟ بتطرد الراجل اللي سترها وجوزها؟! يا مروة يا خطافة الرجال يا قليلة الأصل!
بناتها الثلاث لم يقفن صامتات، بل بدأن في توجيه الشتائم والنظر إلى شباك مروة، وحولوا الشارع الهادئ إلى ساحة ردح علني. تلملم الجيران حولهم من كل حدب وصوب، ينظرون إلى إبراهيم الواقف منكس الرأس، يمسك بحقيبته وعلامات الخزي تكسو وجهه بالكامل، هو الذي كان يمشي في هذا الشارع كالديك الفصيح، أصبح الآن مطرودًا من بيته في وضح النهار.
حاول إبراهيم سحب أمه من يدها وهو يهمس بغيظ مكتوم
يلا نمشي من هنا يا أمي.. الفضيحة بقت بجلاجل، الناس بتتفرج علينا، يلا على البيت وهناك نتصرف.
نترت الأم يدها من قبضته بعنف وقالت وعيناها تلمعان بالشر
نمشي فين يا خايب؟! نمشي ونسيب لها الشقة والفرش واللحمة اللي إنت شاريها بفلوسك؟ أنا مش هتحرك من هنا إلا والبت دي نازلة في إيد الحكومة!
في تلك الأثناء، كانت مروة تقف خلف الستار، تراقب المشهد ببرود تام. لم تلتفت لشتائمهم، بل أخرجت هاتفها واتصلت بشقيقها أحمد مرة أخرى، وقالت له بلهجة حاسمة
أحمد.. إبراهيم وأمه وأخواته عاملين غاغة تحت البيت وبيلموا عليا الناس. تعالي إنت وبابا، بس متعملوش مشاكل، هجيبوا معاكم محامي أو اطلبوا شرطة النجدة تثبت الحالة إن الشقة شقتي وهو طلقني، عشان نخلص من القصة دي قانوني وقام الناس كلها.
قال أحمد بصوت غاضب
مسافة السكة يا مروة، خمس دقائق وهنكون عندك، والي يمد إيده على بوابة العمارة هنقطعها له.
تحت في الشارع، بدأت الحماة تخطط للخطوة التالية. التفتت إلى بناتها وقالت بفحيح الأفاعي
اطلعي يا بت إنتي وهي.. اكسروا باب الشقة عليها، الشارع ده شارعنا وإحنا أصحاب الأرض، والبت دي ملهاش لزمة هنا، اطلوا جروها من شعرها وارموها في الشارع!
اندفعت الشقيقات الثلاث نحو مدخل العمارة كأنهن جيش يهاجم حصنًا، وتحرك إبراهيم خلفهن بنوع من التردد، لكن الجبن والخوف من القانون كانا يكتفانه. صعدت البنات السلالم بسرعة وعيونهن تطق شرارًا، ووصلن إلى باب شقة مروة وبدأن في الدق عليه بأيديهن وأرجلهن بعنف مفرط وصياح عالي
افتحي يا مروة! افتحي يا خطافة الشقق يا حرامية! والله ما هنسيبك النهاردة إلا وإحنا مطلعين روحك في إيدينا!
خلف الباب المغلق بقوة، كانت مروة تقف بثبات، ممسكة بهاتفها المحمول وهي تسجل بهدوء أصوات التهديد والضرب على الباب كاملاً، لتكون دليلًا قانونيًا لا يقبل الشك. لم تنطق بكلمة واحدة لترد عليهن، بل تركت الاستفزاز يفعل فعله في نفوسهن حتى يرتكبن أكبر خطأ ممكن.
فجأة، ساد صوت هرج ومرج في أسفل العمارة، وجاء صوت جهوري مألوف هز أرجاء المكان. كان هذا صوت أحمد شقيق مروة، ومعه والديها، وبصحبته أمين شرطة واثنين من أفراد الأمن الذين استدعاهم أحمد من نقطة الشرطة القريبة لإثبات التعرض.
صاح أحمد وهو يصعد السلم وخلفه رجال الأمن
جرى إيه يا حارة من غير كبار؟! إيه القلة الأدب والبلطجة دي؟ بعد ما ابنكم يطلق البنت وعقد الشقة باسمها وباسم أبويا، جايين تتهجموا عليها في بيتها؟!
نزلت شقيقات إبراهيم يركضن إلى الأسفل عندما رأين ملابس الشرطة الزرقاء. وفي الشارع، تراجع الجميع خطوتين للخلف. تقدم أمين الشرطة نحو إبراهيم وأمه وقال بنبرة صارمة
جرى إيه يا حاجّة؟ إيه اللمة والوش ده؟ الأستاذ أحمد مقدم بلاغ تضرر وتعرض، ومعاه عقد إيجار رسمي موثق باسم أخته. لو سمحتوا، كل واحد على بيته، والي عنده حق يروح المحكمة، إنما شغل البلطجة ده حسابه في القسم!
انكمشت الحماة وتراجعت، بينما قال إبراهيم بوجه شاحب
يا باشا دي مرتي ودي شقتي..
قاطعته مروة التي فتحت الباب ونزلت بضع خطوات على السلم، وهي تمسك بهاتفها وتقول بصوت مسموع للجميع
كنت مرتك يا إبراهيم.. إنت طلقتني بالتلاتة قدام أهلك وأهلي، والعقد باسمي، وتليفونك مسجل عليه مكالمة أمك وإنت بتقول لها إنت طلقتها. اتفضل خذ أهلك وامشي من هنا، عشان البلاغ الجاي هيكون محضر عدم تعرض وسب وقذف بالصوت والصورة!
أدركت الحماة أن الكفة قد انقلبت تمامًا، وأن مروة رتبت كل شيء بذكاء قانوني لم يتوقعوه من البت الغلبانة. سحبت أولادها وهي تنظر لمروة بغل أعمى وهمست
ماشي يا مروة.. الشقة والفرش خليهم ينفعوكي، بس وحياة دموعي دي لأخليكي تبكي بدل الدموع دم، وإبراهيم هيتجوز عليكي الأسبوع الجاي، وهنيجي نقعد في الشارع ده نكيدك كل يوم!
رحلوا وهم يجرون أذيال الخيبة، ودخلت مروة شقتها بصحبة أبيها وأخيها الذين ربتوا على كتفها فخرًا بشجاعتها. لكن مروة كانت تعلم أن أم إبراهيم لن تصمت، وأن الأيام القادمة تخبئ مؤامرة قذرة من نوع آخر.. مؤامرة ستستهدف شرف مروة وسمعتها في الشارع نفسه لإجبارها على ترك الشقة.
أغلقت مروة باب شقتها بعد أن غادر شقيقها أحمد ووالداها، بعدما اطمأنوا أن الأمور هدأت تمامًا وأن الشرطة وضعت حدًا لبلطجة أم إبراهيم وبناتها. جلست مروة في الصالة، وأخيرًا سمحت لجسدها أن يرتخي بعد ساعات من الشد العصبي المتواصل. نظرت إلى الشقة الهادئة، وبدأت في تنظيف آثار العزومة المشؤومة، وهي تشعر بنظافة غريبة تسري في أرجاء المكان، كأن الرائحة الكتمة التي كان يتركها إبراهيم وأهله قد تبخرت مع خروجهم.
لكن على الجانب الآخر من الشارع، وفي شقة الحماة التي تبعد خطوات معدودة، كانت الأنوار مضاءة حتى الفجر. كان إبراهيم يجلس على الكرسي واضعًا رأسه بين كفيه وعلامات الخزي تملأ وجهه، بينما كانت أمه تطوف الصالة كالنمر الحبيس، وبناتها الثلاث يثرن خلفها الغل والتحريض.
صاحت الأخت الكبرى نجوى وهي تضرب كفًا بكف
بقى حتة البت دي تكسرنا قدام الجيران والشرطة؟ وتطرد إبراهيم وسيرتنا تبقى على كل لسان في الشارع؟ إحنا مبقاش لينا عين نمشي وسط الناس يا أمي!
توقفت الحماة فجأة، والتفتت إليهم وعيناها تلمعان ببريق شيطاني، وقالت بنبرة منخفضة ممتلئة بالسم
الشرطة والقانون بيحموا العقود والأوراق.. بس مبيحموش السمعة! البت دي طالما قعدت لوحدها في الشقة، يبقى لازم نخلي الشارع نفسه يطردها، وصاحب البيت يترجاها تاخد بعضها وتمشي عشان يخلص من قرفها.
رفع إبراهيم رأسه وقال بتوجس
قصدك إيه يا أمي؟ هتعملي إيه؟
اقتربت منه أمه وقالت بوجوه مكشرة
إنت طلقتها شفوي ومفيش ورق رسمي لسه، والناس كلها عازبة إنها قعدت لوحدها في الشقة من ليلتها. من الصبح، كل واحدة فينا تطلع على جارة.. نجوى تدخل على أم محمد البقالة، وشيماء تروح لستات الحارة، ونقول إن إبراهيم طلقها عشان شاف عليها حاجات مش تمام! ونقول إن البت دي مكنتش مظبوطة وإحنا كتمنا على الموضوع عشان سُمعتنا، والنهاردة هي قاعدة لوحدها في الشقة ومستنية حد يجيلها! لما الشارع كله يتكلم عن شرفها، أبوها هييجي ياخدها وهو منكس راسه، وصاحب البيت هيطردها عشان يحمي سمعة عمارته!
تردد إبراهيم لثانية، فمروة رغم كل شيء كانت زوجته طوال سنة ولم يرَ منها إلا العفة، لكن غيظه وانكسار كبريائه جعلاه يصمت ويوافق على المؤامرة الدنيئة بطأطأة رأسه.
ومع شروق شمس اليوم التالي، بدأت الآلة الشيطانية للحماة في التحرك. بدأت الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم بين أزقة الشارع الضيق. همسات مسمومة على عتبات البيوت، وغمزات عين بين الستات أمام محلات الخضار والبقالة
سمعتي عن مروة؟ طردت جوزها.. وأمه بتقول إنهم قفشوا عليها حاجات! البت قاعدة لوحدها في الشقة والظاهر البيت مفتوح ل
في عصر ذلك اليوم، نزلت مروة من العمارة لتشتري بعض المستلزمات البسيطة. وما إن خطت خطواتها الأولى في الشارع، حتى شعرت ببرودة غريبة تحيط بها. نظرات الجيران التي كانت دائمًا مليئة بالترحاب، تحولت فجأة إلى نظرات متفحصة، مريبة، ومليئة بالاحتقار والهمس.
مرت مروة أمام أم محمد البقالة، فقالت بأدب
السلام عليكم يا أم محمد، عايزة كيلو رز وزجاجة زيت.
نظرت إليها أم محمد بجفاء من فوق لتحت، ولوت فمها قائلة بنبرة باردة
مفيش رز يا مروة.. والمحل قفل خلاص، شوفي لك مكان تاني تشتري منه.
صعقت مروة من المعاملة، والتفتت لتجد اثنتين من نساء الشارع تقفان بعيدًا وتنظران إليها وتتهامسان بضحكات خبيثة، وتضع الواحدة يدها على فمها. أحست مروة فجأة بأن هناك جدارًا من الاتهامات غير المرئية يُبنى حولها. تسارعت دقات قلبها، وعادت إلى شقتها بسرعة وهي تجر أذيال الصدمة وعلامات الاستفهام تعصف بعقلها.
وقفت وراء باب الشقة وهي تتنفس بصعوبة، ولم تمضِ دقائق حتى رن
 

تم نسخ الرابط