قصة الصوت اللي تحت السرير حصري
ماحضرتيش جنازتي يا ندى.. حضرتي نعش فاضي. أنا سلوى.. أمك.
معرفتش أتنفس. كل حاجة حواليّ لفت.
وبصوت مكسور، حكتلي كل حاجة.
من 14 سنة، كانت أمي محاسبة في شركة المنصور للمقاولات. اكتشفت إن الحاج منصور بيسرق معاشات 300 عامل ومبالغ أيتام كانت متحوطة عنده أمانة. صورت كل الورق، وسلمت نسخة لمحامي ثقة اسمه الأستاذ عادل، وقالتله لو حصلي حاجة، افتح المظروف وروح للنيابة.
بس الحاج منصور عرف.
خطفها وهي راجعة من الشغل على الطريق الصحراوي، وفتش عن الورق وملقاهوش. هددها وضربها، ومرضيتش تقول مكان النسخة الأصلية. ولما فهم إن موتها هيفتح المظروف عند المحامي، قرر ميقتلهاش.
دبّر الحادثة بجثة مجهولة من المشرحة، ودفنوا نعش على اسمها. وحبسها هنا، تحت أوضة من أوضات بيته، بقالها 14 سنة.
وليه بتخبطي كل ليلة؟ سألتها وصوتي بيتقطع.
ابتسمت ابتسامة وجعتني أكتر من الدموع.
الأوضة اللي فوقي كانت مخزن مقفول. عمري ما سمعت فيها صوت. بس من 3 أسابيع سمعت خطوات.. وبعدها سمعت زغاريط. وهالة جابتلي أكلي وقالتلي إن بنتي اتجوزت ابنها.. واتحطت فوقي بالظبط.
بصتلي وقالت بهمس أنا خبطت كل ليلة وأنا بدعي ربنا يخليكي تسمعيني.
وأنا لأول مرة من 14 سنة، وحسيت بضهرها كله عضم.
الفصل السادس الخطوات على السلم
فجأة سمعنا خطوات فوق السلم.
قلبي وقف. أمي شدتني ناحيتها وهمست اجري! بس مكنش فيه مكان نجري عليه.
الخطوات نزلت، وظهرت حماتي هالة بقميص النوم، ووشها أبيض زي الجير.
صرخت فيها إنتي كنتي عارفة! كنتي عارفة طول الوقت!
هالة وقعت على ركبتها وهي بتعيط أيوه كنت عارفة.. وسامحيني يا بنتي. من 14 سنة وأنا بجيب لها الأكل في السر وأنا مرعوبة. كنت جبانة. أول ما شفت عيونك في الخطوبة عرفت إنك بنتها، وحاولت أنساك.. بس معرفتش.
وكملت وهي بتشهق ليلة الفرح قلتلك ماتنزليش عشان الكاميرات اللي في الصالة كانت شغالة وحاج منصور بيسمع. والمفتاح.. أنا اللي حطيته. حطيته النهاردة، وأنا بدعي إنك تسمعي.
معرفتش أحبها ولا أكرها. بس مكنش فيه وقت.
قالت بسرعة أنا فصلت الكاميرات بحجة صيانة الكابل، بس هيرجع بعد ساعة. لازم نخرج قبل ما يوصل.
شلنا أمي بين إيدينا، وطلعنا بيها السلم ببطء، وهي رجليها مش قادرة تشيلها بعد 14 سنة من الظلمة.
وأول ما خرجنا للمطبخ، النور اتفتح فجأة.
وقفنا ثلاثتنا في مكاننا.
كان فيه حد واقف عند باب المطبخ.
الفصل السابع الباب الأخير
كان كريم.
وشه كان مصدوم، وشنطته على كتفه، وعينيه ثابتة على الست الضعيفة اللي ماسكينها.
الطيارة اتلغت.. رجعت من نص الطريق قال بصوت مبحوح، لقيت السرير فاضي.. وإنتوا..
من غير ما أفكر قلت ده كل اللي بخاف منه يا كريم. أبوك.
أمي بصتله وقالت بهدوء بتسمعه لأول مرة أنا سلوى.. أم مراتك. وأبوك حبسني تحت بيتكم 14 سنة.
كريم فضل ساكت ثواني طويلة، ووشه بيتغير قدامي.
بعدين بص لأمه اللي واقفة منكسة راسها، وسألها بصوت بيتكسر كنتي عارفة؟
ومردتش.
مسح وشه بإيده، وطلع تليفونه، وقال بصوت حاسم اطلعوا بيها العربية. أنا هكلم صاحبي الكابتن. محدش يتحرك من هنا غير بالبوليس.
في أقل من نص ساعة، كانت عربية الإسعاف واقفة قدام الفيلا، والبوليس مطوق الشارع.
والساعة 4 الفجر، ظهرت عربية الحاج منصور على أول الشارع.
وقفت لما شافت الأنوار.
شفته من الشباك وهو نازل، متأنق، لابس بدلة الفرح، وبيبص على البيت والبوليس والإسعاف وعلى أمي محمولة على نقالة.
وشه اتغير في ثانية. حاول يرجع للعربية.. بس الكابتن كان أسرع منه.
وأول مرة من سنين طويلة، سمعت صوت الكلبشات وهي بتتقفل
الفصل الثامن النهاية
الأستاذ عادل كان لسه محتفظ بالمظروف، وبعد ما سمع الخبر، سلمه للنيابة بإيده، وهو بيبكي.
الورق كشف كل حاجة المعاشات المسروقة، وأموال الأيتام، والتزوير. وفتحوا ملف الخطف والحبس والتزوير في شهادة الوفاة.
المحكمة حكمت على الحاج منصور بالسجن المؤبد، وصودرت أمواله ورجعت لأصحابها. وحماتي هالة شهدت ضده من غير ما تهرب من مسؤوليتها، وخدت حكم مخفف.
كريم اختار يقف جنبي. اتنازل عن كل اسم أبوه وأمواله، وقالي مفيش فلوس تستاهل اللي حصل.. بس أنا ماصدقتش إني هلاقيكي في وسط الخراب ده.
بعد 3 شهور، وقفت أنا وخالتي فاطمة وأمي قدام القبر اللي عشت 14 سنة بزوره وأنا فاكرة إن ماما فيه. القبر كان لست مجهولة، ماتت وملهاش أهل.
قعدنا نقرا لها الفاتحة، وأمي حطت وردة على التراب وقالت بهدوء ربنا يرحمها.. دي بقت أم الكل من ساعتها.
وفي الليلة دي، رجعت للبيت الصغير اللي استأجرناه أنا وكريم، وأمي نايمة في الأوضة اللي جنبي.
والساعة 3 الفجر، صحيت لوحدي.
البيت ساكت. مفيش خبط.
قمت على أطراف صوابعي وفتحت باب أوضتها، لقيتها نايمة بأمان، وصوت نفسها الهادي هو الصوت الوحيد في الدنيا.
وأنا واقفة عند الباب، ابتسمت وأنا بعيط.
لأول مرة من 14 سنة، الساعة 3 الفجر.. أمي كانت نايمة جنبي، ومحدش محتاج يخبط عشان أسمعه.