قصة بعد 5 سنين من طلاقنا

لمحة نيوز

أن تتدخل.. كنت أستطيع التعامل مع الأمر وحدي.
أعرف يا سليم.. لكن الحقيقة كان لازم تُقال. لقد عشتُ خمس سنوات وأنا أسمع إني
لا شيء بدونه، واليوم أثبتُّ لنفسي أولاً إني كنت دائمًا شيء، وربما أكثر مما سيكون هو في حياته كلها.
عندما وصلنا للبيت، نمت فريدة في سريرها الدافئ، وجلسنا أنا وسليم على الشرفة نحتسي الشاي في هدوء. حكيت له كل شيء بتفاصيله المؤلمة كنتُ أعود من العمل لأجدها في مطبخي، حافية القدمين، ترتدي قميص نومي الذي اشتراه لي في ذكرى زواجنا الثالثة. لم تصرخ ولم تهرب.. نظرت لي مباشرة وقالت بكل وقاحة هو اختارني يا إلهام، اتركيه بسلام. ومازن وقف خلفها لا ينطق بحرف واحد، ثم قال بعد صمت مرعب البيت هنا من الآن لي.. وأنتِ لكِ حق النفقة لثلاثة أشهر فقط، وبعدها أنتِ حرّة.
لم أبكِ حينها. أخذت حقيبتي، ووضعت فيها أوراقي الرسمية، شهاداتي، والفلاشة الصغيرة التي نسيتها في درج مكتبه يوم زفافنا الأول حين كنتُ أرتب له أوراق عمله وأرشفة ملفاته. قلت له عند الباب لن أطلب منك شيئًا لا يستحقه الله، لكن تأكد أن الله لا ينسى الظالم.
سليم مسح على كتفي بحنان عميق
وأنتِ صدقتِ وانتظرتِ يا إلهام. لم تذهبي لتشتكي، لم تفضحيه، لم تتكلمي بكلمة سيئة عنه طوال هذه السنوات. فقط عملتِ، تعلمتِ، بنيتِ مستقبلك، وتركتِ له الحبل طويلًا حتى يصل لغايته بنفسه. هذا ليس ضعفًا يا حبيبتي.. هذا هو أقوى أنواع العدالة.
الجزء الرابع
الأيام التالية أثبتت صدق كلامنا. مازن اتصل بي مرات عديدة، أولاً پغضب وټهديد، ثم بترجيح وندم، وأخيرًا بصوت متهالك يطلب مني المساعدة. لم أرد على أي مكالمة. العدالة ليست انتقامًا.. هي أن تترك للناس نصيبهم من أفعالهم، دون أن تتدخل أنت لتسرع النتيجة أو تؤخرها.
علمنا أنه حاول البحث عن مشترٍ آخر لشركته، لكن سمعته تدهورت بسرعة في الأوساط التجارية. لم يخبر سليم أحدًا بالتفاصيل، لكن في عالم المال والأعمال، الشك يكفي لينسحب الجميع. نيفين غادرته بعد شهرين فقط، أخذت معها ما استطاعت من أثاث ومجوهرات، وتركت له رسالة قصيرة لم أحبك أنت.. أحببت الفيلا والسيارات والحياة التي كنت تعيشها لي. والآن لم يعد هناك شيء يستحق البقاء من أجله.
سمعت أنه باع الفيلا التي كان يتباهى بها ليسدد جزءًا من ديونه، ونقل مكتبه لشقة صغيرة في وسط المدينة. لم أشعر بمتعة أو شماتة.. فقط شعرت برحمة خفيفة في قلبي على رجل ظن أن المال يمكنه أن يشتري كل شيء، حتى الكرامة والاستقرار.
ذات صباح، وأنا جالسة في مكتبي في برج الشافعي، رأيت من النافذة سيارته القديمة تمر في الشارع أسفل المبنى. كان يقودها بنفسه، نظراته تبدو ضائعة ومتعبة. ابتسمت لنفسي ودعوت له بالهداية في قلبي، ثم التفتت لأوراق العمل أمامي وعادت لمهامي. حياتي كانت هنا الآن، مع من يستحقها حقًا.
الجزء الخامس
بعد ثلاث سنوات، في عيد ميلاد فريدة السابع، كنا نجلس في حديقة منزلنا الكبير، والأطفال يلعبون حولنا. سليم أمسك بيدي وقال لي بصوت دافئ
أتعرفين يا إلهام؟ أجمل قرار اتخذته في حياتي هو حين رأيتك في ذلك المؤتمر القانوني وأنتِ تدافعين عن حق صغير بكل هذا الصدق والكرامة. لم أكن أعرف حينها أنكِ ستصبحين نصف روحي ورفيقة دربي للأبد.
قبلتُ يده بامتنان
وأنا كنت أظن أن الجزء المكسور من قلبي لن يلتئم أبدًا.. حتى جئتَ وأريتني أن الچرح ليس نهاية الطريق، بل هو مجرد علامة على أنكِ كنتِ تسيرين في الاتجاه الخطأ.
كبرت فريدة وهي ترى في والدها معنى الرجولة الحقيقية، وفي والدتها معنى الكرامة والاستقلالية. كنا نعيش
حياة هادئة مليئة بالحب والاحترام، ولم يكن هناك مكان للماضي في حياتنا.. إلا كدرس نتعلم منه ونمضي قُدُمًا.
وذات يوم، كنت أتصفح أخبار الصحف الاقتصادية، فرأيت اسم مازن في خبر صغير رجل أعمال سابق يبدأ مشروعًا صغيرًا لتصليح الأجهزة المنزلية. الصورة كانت له، يرتدي ملابس عمل بسيطة، وجهه أصبح مليء بالتجاعيد، لكن نظراته بدت أكثر هدوءًا واتزانًا من قبل. ابتسمت وأغلقت الصفحة. ربما الحياة علمته الدرس الذي لم يتعلمه في يوم من الأيام.. وأن الكرامة لا تُبنى على حساب الآخرين، والبيت الحقيقي لا يُبنى بالمال، بل بالحب والصدق والوفاء.
الجزء السادس والأخير
وفي ليلة صيفية دافئة، جلستُ على شرفة بيتي، وفريدة نامت في أحضاني بعد أن حكيت لها قصة جميلة عن النجوم والقمر. سليم جلس بجانبي، وملس على شعري بيده الدافئة، وسألني
هل تندمين على أي شيء مررتِ به يا حبيبتي؟
أبدًا أجبته بكل يقين لأن كل خطوة مؤلمة كانت تقودني لهنا، إلى هذا المكان الآمن. لولا ما حدث لي، لما تعلمتُ أن أكون قوية بهذا القدر، ولما عرفت معنى أن يكون بجانبي شخص يحبني أنا.. لا ما أملكه ولا ما أقدمه له.
تأملتُ النجوم المتلألئة في السماء الواسعة، وفهمت في تلك اللحظة أعمق دروس الحياة
الذين يتركونك لأنك فقدت شيئًا.. لم يكونوا ليبقوا معك طويلًا على أي حال. والذين يستهزئون ببدايتك المتواضعة سوف يصمتون تلقائيًا حين يرون نهايتك المشرقة. لا تُثبت شيئًا لأحد.. فقط اعمل، واترك نجاحك يتحدث بدلاً عنك.
الصمت أمام الإساءة ليس ضعفًا.. هو قوة. حين تردّ بالإساءة تكون قد نزلت لمستوى من أساء إليك. وحين تصمت وتستمر في بناء حياتك، فأنتِ تُثبت أن كلامهم لم يكن ليغير من حقيقتك شيئًا. الزمن هو أفضل قاضٍ، والحق سوف يظهر في وقته المناسب.
لا تحزني على بيت هدمه من لا ېخاف الله فيك.. فالله يجهز لك بيتًا يملؤه السکينة والطمأنينة، لم يكن في حسبك أبدًا. وما أخذوه منك كان زائلًا على أي حال، وما سيعطيك الله خيرٌ وأبقى وأكثر طمأنينة.
وأهم درس تعلمته قيمتك ليست في عيون من حولك.. هي في داخلك. لا تسمح لأحد أن يقول لكِ أنكِ ناقصة أو لا شيء بدونه. أنتِ كاملة بذاتك، والآخرون يأتون ليكملوا إشراقك، لا ليكونوا مصدره. ومن لا يرى قيمتك.. فالنقص في عينيه، ليس فيكِ.
نمت فريدة في سلام، وأغلقتُ الستائر بهدوء، ثم التفتت لزوجي وقلبي ورفيق دربي، وشعرت بالامتنان يملأ روحي من أقصاها لأقصاها. لم أكن أطلب من الدنيا الكثير.. فقط بيتًا آمنًا، وقلبًا صادقًا، وطفلة سعيدة. وقد رزقني الله أكثر بكثير مما تمنيت، لأنني صبرت ووثقت، وعرفت أن من عند الله لا يضيع أبدًا. وهكذا عرفت أن أجمل انتصار ليس حين ترى من خذلك ساقطًا.. بل حين تنظر لمن أنتِ الآن، وتعلمين أنكِ اجتزتِ العاصفة وأصبحتِ أقوى وأجمل وأعز من أي وقت مضى.
تمت بحمد الله
كتبت لكم ساندي أحمد

 

تم نسخ الرابط