قصة الفلاح البسيط ومدير البنك

لمحة نيوز

دخل الحاج عبد الرحيم إلى البنك بخطوات هادئة، فتغيّر الجو من حوله فورًا.

كانت حذاؤه الزراعية القديمة تحمل آثار تراب الحقول، بينما كان يمسك بقبعته القشية بين يديه في هدوء. لم يكن يهتم بنظرات الناس ولا بتعليقاتهم، فقد جاء لينهي معاملة بسيطة ثم يعود إلى أرضه التي قضى فيها عمره كله.

"التالي!" نادت الموظفة.

تقدّم الحاج عبد الرحيم نحو الشباك، لكن قبل أن يصل إليه، اعترض طريقه رجل أنيق ببدلة فاخرة وساعة لامعة. كان مدير الفرع بنفسه.

نظر المدير إلى ملابس الرجل البسيطة، ثم ابتسم بسخرية واضحة.

وقال بصوت مرتفع جعل الجميع يلتفت:

"يا حاج... أنت متأكد إنك داخل البنك الصح؟"

انطلقت بعض الضحكات الخافتة من الموجودين.

حاول الحاج عبد الرحيم أن يتجاهل الأمر وقال بهدوء:

"عندي حساب هنا، وعايز أسحب مبلغ من حسابي."

ضحك المدير مرة أخرى وقال:

"حساب؟ طيب يا ترى فيه كام؟ ألف جنيه؟ ولا شوية فلوس من محصول الموسم؟"

ازدادت الضحكات، بينما ظل الحاج عبد الرحيم صامتًا.

كان رجلًا تجاوز السبعين من عمره، لكنه لم يعتد أن يُهان بسبب ملابسه أو مظهره.

نظر إليه المدير من أعلى لأسفل ثم قال بتعالٍ:

"هات البطاقة نشوف."

أخرج الحاج عبد الرحيم بطاقته البنكية القديمة وسلمها له.

أخذها المدير بطريقة مستفزة واتجه إلى جهاز الكمبيوتر، بينما وقف بعض العملاء يتابعون الموقف وكأنه عرض للتسلية.

بدأ المدير في إدخال البيانات، ثم فجأة...

اختفت الابتسامة من وجهه لثانية واحدة.

ثانية قصيرة جدًا.

لكن الحاج عبد الرحيم لاحظها.

سرعان ما تماسك المدير وعاد لوجهه المتعجرف وقال:

"للأسف، مش هينفع نصرف أي مبلغ دلوقتي."

تعجب الحاج عبد الرحيم وسأله:

"ليه؟"

رد المدير بسرعة:

"لازم تجيب مستندات وأوراق كتير تثبت مصدر الأموال."

تجمد الحاج عبد الرحيم في مكانه.

طوال أكثر من ثلاثين عامًا لم يطلب منه البنك هذه الأوراق.

وكان يعلم جيدًا أن ما يقوله المدير ليس طبيعيًا.

ثم اقترب المدير منه وقال بصوت منخفض يحمل الكثير من الاحتقار:

"بصراحة... الناس اللي زيك مكانها مش هنا."

كانت تلك الجملة كافية.

شعر الحاج عبد الرحيم أن شيئًا بداخله انكسر.

ليس بسبب المال...

بل بسبب الإها.نة.

وبعد دقائق قليلة وجد نفسه خارج البنك، واقفًا في الشارع ممسكًا بقبعته القديمة، بينما ما زالت ضحكات بعض الموجودين تتردد في أذنيه.

جلس على مقعد قريب محاولًا استيعاب ما حدث.

وأثناء إخراج محفظته، سقطت منها بطاقة قديمة جدًا.

نظر إليها للحظات...

ثم اتسعت عيناه.

لقد تذكر شخصًا مهمًا كان مدينًا له بمعروف كبير منذ سنوات.

شخص واحد فقط يستطيع أن يكشف الحقيقة كاملة داخل ذلك البنك.

رفع الحاج عبد الرحيم هاتفه، وضغط على الرقم.

وبعد ثوانٍ جاءه الرد.

ابتسم لأول مرة منذ خروجه من البنك وقال:

"أستاذ... أظن إن الوقت جه علشان أطلب منك المعروف اللي وعدتني بيه."

ولم يكن مدير البنك يعلم أن اليوم التالي سيغيّر حياته بالكامل...

 

تم نسخ الرابط