قصة الحقيقة الغائبة حصري
وقف قدام قبر مراته في ذكرى وفاتها فطفل قال له إنت ليه بتحط ورد عند ماما وهي لسه عايشة؟
وقف رامي قدام قبر مراته في الذكرى التالتة لوفاتها، حط باقة الورد على الرخام، وفضل ساكت قدام صورتها.
ثلاث سنين عدوا، لكنه لسه فاكر آخر مكالمة بينهم كأنها امبارح.
سارة كانت مسافرة تزور خالتها في محافظة تانية. كلمته قبل الحادث بحوالي ساعة وقالت له إنها هترجع اليوم اللي بعده، وإنها اشترت له حاجة ومش هتقوله عليها غير لما توصل.
لكنها موصلتش.
العربية اللي كانت راكباها اتعرضت لحادث عنيف، وبعده حصل حريق. رامي وصل المستشفى في نفس الليلة، لكنهم قالوا له إن الجثمان اتشوّه بشكل كبير وإن إجراءات التعرف تمت من خلال الأوراق والمتعلقات وبعض البيانات الطبية.
طلب يشوفها.
رفضوا في البداية.
ولما أصر، والد سارة نفسه مسكه وقال له
بلاش يا ابني خلي آخر صورة ليها في دماغك وهي حلوة.
رامي استسلم.
استلم دبلة سارة وسلسلتها وشنطتها.
وبعدها دفنوها.
أو على الأقل
ده اللي كان فاكره.
في اليوم ده، بعد ثلاث سنين، كان رامي لسه واقف قدام القبر لما سمع صوت طفل وراه
عمو؟
مسح عينه ولف.
ولد صغير عنده حوالي ست سنين، ماسك عربية لعبة مكسورة.
نعم يا حبيبي؟
الطفل بص للقبر.
إنت ليه بتحط ورد عند ماما وهي لسه عايشة؟
رامي ابتسم بتوتر، معتقد إن الطفل لخبط بين الصور.
دي مامتك؟
أيوه.
رامي أشار للصورة المحفورة على شاهد القبر.
الست دي؟
الولد هز راسه.
بس اسمها عندنا ندى.
رامي قلبه بدأ يدق أسرع.
انحنى لمستواه.
اسمك إيه؟
يوسف.
وماما اسمها ندى؟
أيوه.
وإنت جيت هنا معاها؟
الولد أشار ناحية بوابة المقابر.
كانت واقفة هناك، بس لما شافتك قالتلي استناها هنا.
رامي بص بسرعة ناحية المكان.
مفيش حد.
رجع للطفل.
بص يا يوسف الست اللي في الصورة دي اسمها سارة. وكانت مراتي.
الولد فكر شوية.
ماما بتزعل لما حد يقول لها سارة.
رامي حس بقشعريرة.
لكن لسه فيه احتمال إن الطفل شاف واحدة شبهها.
سأله
مامتك عندها علامة مميزة في وشها؟
يوسف أشار تحت ودنه الشمال.
عندها حاجة حمرا صغيرة هنا.
رامي وقف مرة واحدة.
سارة كان عندها وحمة صغيرة تحت ودنها الشمال، وغالبًا شعرها كان بيغطيها.
حتى في معظم صورها مكنتش باينة.
مامتك فين دلوقتي؟
معرفش.
وفجأة موبايل صغير كان مع الطفل رن.
يوسف رد
أيوه يا ماما.
رامي سمع صوت ست من الناحية التانية.
جسمه كله اتجمد.
الصوت ده يعرفه.
يوسف فتح الفيديو.
رامي قرب منه.
الصورة ظهرت.
وساعتها حس إن الدنيا كلها سكتت.
كانت هي.
سارة.
أكبر شوية، شعرها مختلف، ووشها أنحف لكنها سارة.
قال بصوت بالكاد خرج
سارة؟
الست اتصدمت.
يوسف! ابعد عن الراجل ده فورًا!
رامي أخد الموبايل.
سارة، أنا رامي!
بصت له بخوف حقيقي.
أنا معرفكش.
إنتِ مراتي!
اسمي ندى.
وقفلت المكالمة.
رامي فضل ماسك الموبايل.
يوسف شده من هدومه.
عمو إنت اسمك رامي؟
أيوه.
الولد طلع صورة قديمة مطوية من جيبه.
عشان ماما مخبية الصورة دي في الدولاب. أنا خدتها عشان أسألها عليك.
رامي فتحها.
كانت صورة فرحه هو وسارة.
وعلى ظهرها، بخط إيد سارة
لو قابلت رامي في يوم متصدقش أي حاجة هيقولها لك عن الحادث.
وهنا الحكاية كلها اتقلبت.
رامي كان ممكن ياخد يوسف ويمشي.
لكنه معملش كده.
قعد على أول مقعد حجري، وحاول يفكر.
لو سارة فقدت الذاكرة، مين كتب التحذير؟
ولو فاكرة اسمه لدرجة إنها بتحذر ابنها منه، ليه قالت في الفيديو إنها متعرفوش؟
والأهم
يوسف عنده ست سنين تقريبًا.
يعني كان موجودًا قبل وفاة سارة بثلاث سنين.
رامي كان متجوز سارة خمس سنين قبل الحادث.
عمره ما عرف إن عندها طفل.
بص ليوسف.
باباك فين؟
الولد هز كتفه.
معنديش بابا.
ماما قالتلك كده؟
قالت بابا مات.
رامي سأل
مات إمتى؟
يوسف فكر.
قبل ما أنا أكبر.
الإجابة زودت الغموض.
موبايل الطفل رن تاني.
المرة دي رسالة صوتية.
صوت سارة
يوسف، خليك مكانك. أنا جاية لك. ومتروحش مع الراجل ده مهما قال.
رامي قرر يستناها.
بعد حوالي عشر دقايق، ظهرت عند بوابة المقابر.
كانت ماشية بسرعة، ووشها مليان خوف.
أول ما يوسف شافها جري عليها.
رامي وقف قدامها.
المسافة بينهم كانت كام متر بس، لكنها بالنسبة له كانت ثلاث سنين كاملة.
سارة.
قولتلك اسمي ندى.
طب بصيلي وقولي إنك عمرك ما شفتيني.
بصت في عينه.
وسكتت.
رامي قرب خطوة.
هي رجعت.
متقربش.
الصورة اللي مع يوسف دي صورة فرحنا.
عارفة.
الكلمة خرجت منها من غير ما تنتبه.
رامي ثبت مكانه.
أهو يبقى تعرفيني.
سارة قفلت عينيها للحظة.
أعرف الصورة. مش فاكرة اليوم.
مين قالك إني السبب في الحادث؟
رفعت عينيها له بسرعة.
أنا مقولتش إنك السبب.
لكنك كاتبة لابنك ميتصدقنيش.
سارة بصت ليوسف.
يوسف، روح استناني عند العربية.
الولد مشي.
وبمجرد ما بعد، قالت
أنا معرفش مين أصدق.
رامي سأل
يعني إيه؟
قالت له إنها فاقت من الحادث في مستشفى صغير وهي مصابة في رأسها، وذاكرتها مشوشة.
كان معاها رجل واحد.
قال لها إنه أخوها.
ماهر.
رامي اتجمد.
ماهر فعلًا أخو سارة الأكبر.
سارة كملت.
ماهر قال لها إن اسمها ندى، وإنها كانت هربانة من جوزها رامي لأنه شخص عنيف، وإن الحادث حصل أثناء محاولتها الهرب منه.
رامي ضحك من شدة الصدمة.
ماهر قالك كده؟
كان معاه صور وتقارير.
وتقارير إيه؟
بلاغات. صور إصابات. ورقة مكتوب فيها إني طلبت الطلاق منك.
رامي قرب منها.
وأنا في الثلاث سنين دول كنت بزور قبرك!
سارة عينيها اتمَلوا دموع.
عشان كده جيت النهارده.
ليه؟
لأن ماهر مات من شهر.
رامي سكت.
وقبل ما يموت سابلي صندوق.
الصندوق كان فيه حاجات تخص حياتها القديمة.
منها صورة الفرح.
وبعض الأوراق.
وورقة مكتوب عليها بخط إيدها
لو رجعت